أبو سعد منصور بن الحسين الآبي

146

نثر الدر في المحاضرات

أعقبتهم إلّا النّدامة ؟ أفهذه تؤثرون أم على هذه تحرصون ؟ أم إليها تطمئنّون ؟ يقول اللّه عزّ وجل : مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ فِيها وَهُمْ فِيها لا يُبْخَسُونَ ( 15 ) [ هود : 15 ] . فبئست الدار لمن أقام فيها . فاعلموا - وأنتم تعلمون - أنكم تاركوها لا بدّ ، فإنّما هي كما وصفها اللّه باللّعب ، واللّهو . وقد قال اللّه تعالى : أَ تَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ ( 128 ) وَتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ ( 129 ) وَإِذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ ( 130 ) [ الشعراء : 128 - 130 ] . ذكر الذين قالوا : مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً [ فصلت : 15 ] ثم قال : حملوا إلى قبورهم فلا يدعون ركبانا ، وأنزلوا فلا يدعون ضيفانا ، وجعل اللّه لهم من الضّريح أجنانا ، ومن التّراب أكفانا ، ومن الرّفات جيرانا ، وهم جيرة لا يجيبون داعيا ، ولا يمنعون ضيما ، إن خصبوا لم يفرحوا ، وإن قحطوا لم يقنطوا . جميع وهم آحاد ، جيرة وهم أبعاد ، متناءون لا يزورون ، ولا يزارون . حلماء قد ذهبت أضغانهم ، وجهلاء قد ماتت أحقادهم ، لا يخشى فجعهم ، ولا يرجى دفعهم ، وكما قال اللّه تعالى : فَتِلْكَ مَساكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوارِثِينَ [ القصص : 58 ] . واستبدلوا بظهر الأرض بطنا ، وبالسّعة ضيقا ، وبالأهل غربة ، وبالنور ظلمة ، ففارقوها كما جاءوها حفاة ، عراة ، فرادى ، غير أن ظعنوا بأعمالهم إلى الحياة الدائمة ، وإلى خلود الأبد ، يقول اللّه تبارك وتعالى : كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنا إِنَّا كُنَّا فاعِلِينَ [ الأنبياء : 104 ] . فاحذروا ما حذّركم اللّه ، وانتفعوا بمواعظه ، واعتصموا بحبله ، عصمنا اللّه وإياكم بطاعته ، ورزقنا وإياكم أداء حقّه . قالوا : لمّا أخذ أبو بيهس الخارجيّ ، وقطعت يداه ، ورجلاه ، ترك يتمرّغ في التّراب . فلمّا أصبح قال : هل أحد يفرغ عليّ دلوين ؟ فإنّي احتملت في هذه اللّيلة . هذا إن كان صادقا فهو عجيب ، وإن كان قاله استهانة بمن فعل ذلك فهو أعجب . قال بعضهم : سمعت أبا بلال في جنازة وهو يقول : ألا كلّ ميتة ظنون إلّا ميتة الشجّاء . قالوا : وما ميتة الشجاء ؟ قال : امرأة أخذها زياد فقطع يديها ،